الخميس، 26 سبتمبر 2013

معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم"هم النُّزّاع من القبائل"

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين(3/188-189):

وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمُ النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ» أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ رَسُولَهُ وَأَهْلُ الْأَرْضِ عَلَى أَدْيَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَهُمْ بَيْنَ عُبَّادِ أَوْثَانٍ وَنِيرَانٍ، وَعُبَّادِ صُوَرٍ وَصُلْبَانٍ، وَيَهُودٍ وَصَابِئَةٍ وَفَلَاسِفَةٍ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ فِي أَوَّلِ ظُهُورِهِ غَرِيبًا، وَكَانَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَاسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ غَرِيبًا فِي حَيِّهِ وَقَبِيلَتِهِ وَأَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ.
فَكَانَ الْمُسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ الْإِسْلَامِ نُزَّاعًا مِنَ الْقَبَائِلِ، بَلْ آحَادًا مِنْهُمْ تَغَرَّبُوا عَنْ قَبَائِلِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ، وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَكَانُوا هُمُ الْغُرَبَاءُ حَقًّا، حَتَّى ظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَانْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ وَدَخَلَ النَّاسُ فِيهِ أَفْوَاجًا، فَزَالَتْ تِلْكَ الْغُرْبَةُ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَخَذَ فِي الِاغْتِرَابِ وَالتَّرَحُّلِ، حَتَّى عَادَ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، بَلِ الْإِسْلَامُ الْحَقُّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ هُوَ الْيَوْمَ أَشَدُّ غُرْبَةً مِنْهُ فِي أَوَّلِ ظُهُورِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْلَامُهُ وَرُسُومُهُ الظَّاهِرَةُ مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَالْإِسْلَامُ الْحَقِيقِيُّ غَرِيبٌ جِدًّا، وَأَهْلُهُ غُرَبَاءُ أَشَدُّ الْغُرْبَةِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَكَيْفَ لَا تَكُونُ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا غَرِيبَةً بَيْنَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، ذَاتَ أَتْبَاعٍ وَرِئَاسَاتٍ وَمَنَاصِبَ وَوِلَايَاتٍ، وَلَا يَقُومُ لَهَا سُوقٌ إِلَّا بِمُخَالَفَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَإِنَّ نَفْسَ مَا جَاءَ بِهِ يُضَادُّ أَهْوَاءَهُمْ وَلَذَّاتِهِمْ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشُّبْهَاتِ وَالْبِدَعِ الَّتِي هِيَ مُنْتَهَى فَضِيلَتِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَالشَّهَوَاتِ الَّتِي هِيَ غَايَاتُ مَقَاصِدِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ؟
فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ السَّائِرُ إِلَى اللَّهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُتَابَعَةِ غَرِيبًا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدِ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَأَطَاعُوا شُحَّهُمْ، وَأُعْجِبَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِرَأْيِهِ؟ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمْ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَ لَكَ بِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ، فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ أَيَّامًا صَبْرُ الصَّابِرِ فِيهِنَّ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» .
وَلِهَذَا جُعِلَ لِلْمُسْلِمِ الصَّادِقِ فِي هَذَا الْوَقْتِ إِذَا تَمَسَّكَ بِدِينِهِ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ...
  وَهَذَا الْأَجْرُ الْعَظِيمُ إِنَّمَا هُوَ لِغُرْبَتِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ بَيْنَ ظُلُمَاتِ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ.
فَإِذَا أَرَادَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي قَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ بَصِيرَةً فِي دِينِهِ، وَفِقْهًا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَفَهْمًا فِي كِتَابِهِ، وَأَرَاهُ مَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَتَنَكُّبِهِمْ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَ هَذَا الصِّرَاطَ فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى قَدْحِ الْجُهَّالِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ فِيهِ، وَطَعْنِهِمْ عَلَيْهِ، وَإِزْرَائِهِمْ بِهِ وَتَنْفِيرِ النَّاسِ عَنْهُ وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْهُ، كَمَا كَانَ سَلَفُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ يَفْعَلُونَ مَعَ مَتْبُوعِهِ وَإِمَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا إِنْ دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدَحَ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ: فَهُنَالِكَ تَقُومُ قِيَامَتُهُمْ وَيَبْغُونَ لَهُ الْغَوَائِلَ وَيَنْصِبُونَ لَهُ الْحَبَائِلَ وَيَجْلِبُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلِ كَبِيرِهِمْ وَرِجْلِهِ.
فَهُوَ غَرِيبٌ فِي دِينِهِ لِفَسَادِ أَدْيَانِهِمْ، غَرِيبٌ فِي تَمَسُّكِهِ بِالسُّنَّةِ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالْبِدَعِ، غَرِيبٌ فِي اعْتِقَادِهِ لِفَسَادِ عَقَائِدِهِمْ، غَرِيبٌ فِي صِلَاتِهِ لِسُوءِ صِلَاتِهِمْ، غَرِيبٌ فِي طَرِيقِهِ لِضَلَالِ وَفَسَادِ طُرُقِهِمْ، غَرِيبٌ فِي نِسْبَتِهِ لِمُخَالَفَةِ نَسَبِهِمْ، غَرِيبٌ فِي مُعَاشَرَتِهِ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُعَاشِرُهُمْ عَلَى مَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَهُوَ غَرِيبٌ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ لَا يَجِدُ مِنَ الْعَامَّةِ مُسَاعِدًا وَلَا مُعِينًا فَهُوَ عَالِمٌ بَيْنَ جُهَّالٍ، صَاحِبُ سُنَّةٍ بَيْنَ أَهْلِ بِدَعٍ، دَاعٍ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَيْنَ دُعَاةٍ إِلَى الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ بَيْنَ قَوْمٍ الْمَعْرُوفُ لَدَيْهِمْ مُنْكَرٌ وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفٌ.


غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين الخلق

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين:  
 غُرْبَةُ أَهْلِ اللَّهِ وَأَهْلِ سُنَّةِ رَسُولِهِ بَيْنَ هَذَا الْخَلْقِ، وَهِيَ الْغُرْبَةُ الَّتِي مَدَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَهَا، وَأَخْبَرَ عَنِ الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ: أَنَّهُ بَدَأَ غَرِيبًا وَأَنَّهُ سَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ وَأَنَّ أَهْلَهُ يَصِيرُونَ غُرَبَاءَ.
وَهَذِهِ الْغُرْبَةُ قَدْ تَكُونُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَبَيْنَ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وَلَكِنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْغُرْبَةِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ حَقًّا، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَأْوُوا إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْتَسِبُوا إِلَى غَيْرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَدْعُوا إِلَى غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ فَارَقُوا النَّاسَ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهِمْ، فَإِذَا انْطَلَقَ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ آلِهَتِهِمْ بَقُوا فِي مَكَانِهِمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَا تَنْطَلِقُونَ حَيْثُ انْطَلَقَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَا النَّاسَ وَنَحْنُ أَحْوَجُ إِلَيْهِمْ مِنَّا الْيَوْمَ، وَإِنَّا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُهُ.
فَهَذِهِ الْغُرْبَةُ لَا وَحْشَةَ عَلَى صَاحِبِهَا، بَلْ وَآنَسُ مَا يَكُونُ إِذَا اسْتَوْحَشَ النَّاسُ، وَأَشَدُّ مَا تَكُونُ وَحْشَتُهُ إِذَا اسْتَأْنَسُوا، فَوَلِيُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَإِنْ عَادَاهُ أَكْثَرُ النَّاسِ وَجَفَوْهُ (3/186).

وقال: مِنْ صِفَاتِ هَؤُلَاءِ الْغُرَبَاءِ: التَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ، إِذَا رَغِبَ عَنْهَا النَّاسُ، وَتَرْكُ مَا أَحْدَثُوهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ وَتَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَتَرْكُ الِانْتِسَابِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَا شَيْخَ وَلَا طَرِيقَةَ وَلَا مَذْهَبَ وَلَا طَائِفَةَ، بَلْ هَؤُلَاءِ الْغُرَبَاءُ مُنْتَسِبُونَ إِلَى اللَّهِ بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَحْدَهُ، وَإِلَى رَسُولِهِ بِالِاتِّبَاعِ لِمَا جَاءَ بِهِ وَحْدَهُ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْقَابِضُونَ عَلَى الْجَمْرِ حَقًّا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ بَلْ كُلُّهُمْ لَائِمٌ لَهُمْ.
فَلِغُرْبَتِهِمْ بَيْنَ هَذَا الْخَلْقِ: يَعُدُّونَهُمْ أَهْلَ شُذُوذٍ وَبِدْعَةٍ، وَمُفَارَقَةٍ لِلسَّوَادِ الْأَعْظَم(3/187-188).

أهل الإسلام في الناس غرباء

  قال الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين(3/186):
أَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي النَّاسِ غُرَبَاءُ، وَالْمُؤْمِنُونَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ غُرَبَاءُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُؤْمِنِينَ غُرَبَاءُ.وَأَهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَهَا مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ فَهُمْ غُرَبَاءُ، وَالدَّاعُونَ إِلَيْهَا الصَّابِرُونَ عَلَى أَذَى الْمُخَالِفِينَ هُمْ أَشَدُّ هَؤُلَاءِ غُرْبَةً، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ حَقًّا، فَلَا غُرْبَةَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا غُرْبَتُهُمْ بَيْنَ الْأَكْثَرِينَ، الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْغُرَبَاءُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ، وَغُرْبَتُهُمْ هِيَ الْغُرْبَةُ الْمُوحِشَةُ.

الأربعاء، 25 سبتمبر 2013

فتاوى الشيخ العثيمين رحمه الله في المسح على الخفين

فتاوى الشيخ العثيمين رحمه الله في المسح على الخفين



س1/ ما المقصود بالخفاف والجوارب ؟

جـ1/ الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين .

المقصود بالخفاف ما يلبس على الرجل من جلد ونحوه .والمقصود بالجوارب ما يلبس عليها من قطن ونحوه ، وهو ما يعرف بالشراب .

                                          

س2/ ما حكم المسح على الخفاف والجوارب وما دليل مشروعية ذلك من الكتاب والسُّنة ؟

جـ2 / المسح عليهما هو السُّنة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمسح عليهما أفضل من خلعهما لغسل الرجل .ودليل ذلك : حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ، قال المغيرة : فاهويت لأنزع خفيه فقال:(دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما).

ومشروعية المسح على الخفين ثابتة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه  سلم .

أما كتاب الله ففي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(المائدة: الآية6) فإن قوله تعالى : (وأَرْجُلَكُمْ ) فيها قراءتان سبعيتان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

إحداهما : (وأَرْجُلَكُمْ ) بالنصب عطفاً على قوله : (وجُوهَكُمْ ) فتكون الرجلان مغسولتين.

والثانية : (وأَرْجُلَكُمْ ) بالجر عطفاً على : (بِرُؤُوسِكُمْ ) فتكون الرجلان ممسوحتين . والذي بين أن الرجل ممسوحة أومغسولة هي السنة ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كانت رجلاه مكشوفتين يغسلهما ، وإذا كانتا مستورتين بالخفاف يمسح عليهما .

وأما دلالة السنة على ذلك فالسنة متواترة في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الإمام أحمد رحمه الله : ليس في قلبي من المسح شيء . فيه أربعون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ،  ومما يذكر من النظم قول الناظم

مما تواتر حديث من كذب      ومن بنى لله بيتاً واحتسب

ورؤيــة شفاعة والحوض        ومسح خفين وهذي بعض

فهذا دليل مسحهما من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

                                           

س3/ ما هي الشروط الثابتة الصحيحة للمسح على الخفين مع الأدلة على ذلك ؟

جـ3/ يشترط للمسح على الخفين أربعة شروط :

الشرط الأول : أن يكون لابساً لهما على طهارة ، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة : (( دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين )) .

الشرط الثاني : أن يكون الخفان أو الجوارب طاهرة ، فإن كانت نجسة فإنه لا يجوز المسح عليها ، ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعلان فخلعهما في أثناء صلاته ،  وأخبر أن جبريل أخبره بأن فيهما أذى أو قذراً ، وهذا يدل على أنه لا تجوز الصلاة فيما فيه نجاسة ولأن النجس إذا مسح عليه بالماء تلوث الماسح بالنجاسة ، فلا يصح أن يكون مطهراً .

والشرط الثالث: أن يكون مسحهما في الحدث الأصغر لا في الجنابة أو ما يوجب الغسل ، ودليل ذلك حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم .

فيشترط أن يكون المسح في الحدث الأصغر ولا يجوز المسح في الحدث الأكبر لهذا الحديث الذي ذكرناه .

الشرط الرابع:أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعاً،وهو يوم وليلة للمقيم،وثلاثة أيام بلياليها للمسافر،لما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمقيم يوماً وليلة،وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن،يعني في المسح على الخفين.( أخرجه مسلم ) .

وهذه المدة تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث ، وتنتهي بأربع وعشرين ساعة بالنسبة للمقيم ، واثنتين وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر . فإذا قدرنا أن شخصاً تطهر لصلاة الفجر يوم الثلاثاء وبقي على طهارته حتى صلى العشاء من ليلة الأربعاء ، ونام ثم قام لصلاة الفجر يوم الأربعاء ومسح في الساعة الخامسة بالتوقيت الزوالي فإن ابتداء المدة يكون من الساعة الخامسة من صباح يوم الأربعاء إلى الساعة الخامسة من صباح يوم الخميس ، فلو قدِّر أنه مسح يوم الخميس قبل تمام الساعة الخامسة ، فإن له أن يصلي الفجر أي فجر يوم الخميس بهذا المسح ويصلي ما شاء من أيضاً  مادام على طهارته ، لأن الوضوء لا ينتقض إذا تمت المدة على القول الراجح من أقوال أهل العلم ، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقِّت الطهارة وإنما وقَّت المسح، فإذا تمت المدة فلا مسح ولكنه إذا كان على طهارة فطهارته باقية، لأن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي ، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يرتفع إلا بدليل شرعي ،  ولا دليل على انتقاض الوضوء بتمام مدة المسح ، ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يتبين زواله . فهذه الشروط التي تشترط للمسح على الخفين ، وهناك شروط أخرى ذكرها بعض أهل العلم وفي بعضها نظر .

                                        

س4/ ما صحة ما اشترطه بعض الفقهاء أن يكونا ساترين لمحل الفرض ؟

جـ4/هذا الشرط ليس بصحيح لأنه لا دليل عليه ، فإن اسم الخف أو الجورب مادام باقياً فإنه يجوز المسح عليه ، لأن السنة جاءت بالمسح على الخف على وجه مطلق ، وما أطلقه الشارع فإنه ليس لأحد أن يقيده إلا إذا كان لديه نص من الشارع أو قاعدة شرعية يتبين بها التقييد ، وبناءً على ذلك فإنه يجوز المسح على الخف المخرق ،  ويجوز المسح على الخف الخفيف لأنه ليس المقصود من الخف الستر – ستر البشرة - وإنما المقصود من الخف أن يكون مدفئاً للرجل ونافعاً لها ، وإنما أجيز المسح على الخف لأن نزعه يشق وهذا لا فرق فيه بين الجورب الخفيف والجورب الثقيل ولا بين الجورب المخرَّق والجورب السليم ، والمهم أنه ما دام اسم الخف باقياً فإن المسح عليه جائز

                                                

س5/ رجل تيمم ولبس الخفين هل يجوز له أن يمسح على الخفين إذا وجد الماء علماً أنه لبسهما على طهارة ؟

جـ5/ لا يجوز له أن يمسح على الخفين إذا كانت الطهارة طهارة تيمم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإني أدخلتهما طاهرتين ). وطهارة التيمم لا تتعلق بالرِّجل إنما هي في الوجه والكفين فقط ، على هذا أيضاً لو أن إنساناً ليس عنده ماء ، أو كان مريضاً لا يستطيع استعمال الماء في الوضوء ، فإنه يلبس الخفين ولو على غير طهارة وتبقيان عليه بلا مدة محدودة حتى يجد الماء إن كان عادماً أو يشفى من مرضه إن كان مريضاً ، لأن الرجل لا علاقة لها بطهارة التيمم .

                                             

س6/ هل النية واجبة بمعنى أنه إذا أراد لبس الشراب أو الكنادر ينوي أنه سيمسح عليهما ، وكذلك نية أنه سيمسح مسح مقيم أومسح مسافر أم هي غير واجبة ؟

جـ6 / النية هنا غير واجبة،لأن هذا عمل علق الحكم على مجرد وجوده فلا يحتاج إلى نية ، كما لو لبس الثوب فإنه لا يشترط  أن ينوي به ستر عورته في صلاته مثلا فلا يشترط في لبس الخفين أن ينوي أنه سيمسح عليهما . ولا كذلك نية المدة بل عن كان مسافراً فله ثلاثة أيام نواها أم لم ينوها ، وإن كان مقيماً فله يوم وليلة نواها أم لم ينوها .

                                           

س7/ ما هي المسافة أو السفر الذي يجيز المسح على الخفاف ثلاثة أيام بلياليها ؟

جـ7/ السفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة هو السفر الذي تكون مدة المسح فيه ثلاثة أيام بلياليها ، لأن حديث صفوان بن عسال الذي ذكرناه يقول إذا كنا سفراً ، فمادام الإنسان مسافراً يقصر الصلاة فإنه يمسح ثلاثة أيام .



                                             

س8/ إذا وصل المسافر أو سافر المقيم وهو قد بدأ بالمسح فكيف يكون حساب مدته ؟

جـ8/ إذا مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر على القول الراجح .

وإذا كان مسافراً ثم قدم فإنه يتم مسح مقيم ، هذا هو القول الراجح ، وذكر بعض أهل العلم أنه إذا مسح في الحضر ثم سافر أتم مسح مقيم ولكن الراجح ما قلناه أولاً ، لأن هذا الرجل قد بقي في مدة مسحه شيء قبل أن يسافر وسافر ، فيصدق عليه أنه من المسافرين الذين يمسحون ثلاثة أيام . 

                                             

س9 / شخص شك في ابتداء المسح ووقته فماذا يفعل ؟

جـ9/ في هذه الحال يبني على اليقين ، فإذا شك هل مسح لصلاة الظهر أو لصلاة العصر فإنه يجعل ابتداء المدة من صلاة العصر ، لأن الأصل عدم المسح ، ودليل هذه القاعدة وهو أن الأصل بقاء ما كان على ما كان ، وأن الأصل العدم: أن الرسول عليه الصلاة والسلام شكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في صلاته فقال: ( لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).

                                             

س10/ رجل مسح بعد انتهاء مدة المسح ثم صلى فما حكم صلاته ؟

جـ10/ إذا مسح بعد انتهاء مدة المسح سواءً كان مقيماً أو مسافراً فإن ما صلاه بهذه الطهارة يكون باطلاً ، لأن وضوءه باطل حيث إن مدة المسح انتهت ، فيجب عليه أن يتوضأ من جديد وضوءاً كاملاً بغسل رجليه ، وأن يعيد الصلوات التي صلاها بهذا الوضوء الذي مسح به بعد انتهاء المدة .

                                              

س11/ إذا نزع الإنسان الشراب وهو على وضوء ثم أعادها قبل أن ينتقض وضوءه فهل يجوز المسح عليها ؟

جـ11/ إذا نزع الشراب ثم أعادها وهو على وضوئه فإذا كان هذا هو الوضوء الأول أي إن لم ينتقض وضوءه بعد لبسه فلا حرج عليه أن يعيدها ويمسح عليها إذا توضأ ، أما إذا كان هذا الوضوء وضوءاً مسح فيه على شرابه فإنه لا يجوز له إذا خلعهما أن يلبس ويمسح عليها ، لأنه لا بد أن يكون لبسها على طهارة بالماء ، وهذه طهارة بالمسح ، هذا ما يعلم من كلام أهل العلم . ولكن إن كان أحد قال بأنه إذا أعادها على طهارة ولو على طهارة المسح له أن يمسح ما دامت المدة باقية ، فإن هذا قول قوي ولكنني لم أعلم أن أحداً قال به فالذي يمنعني من القول به هو أنني لم أطلع على أحد قال به ، فإن كان قال به أحد من أهل العلم فهو الصواب عندي ، لأن طهارة المسح طهارة كاملة فينبغي أن يقال إنه إذا كان يمسح على ما لبسه على طهارة غسل فليمسح على ما لبسه على طهارة مسح. لكنني ما رأيت أحداً قال بهذا.

س/ إذاً لا نقول إن خلع الخفين من مبطلات المسح .

جـ/ إذا خلع الخف لا تبطل طهارته لكن يبطل مسحه دون الطهارة ، فإذا أرجعهما مرة أخرى وانتقض وضوءه ، فلا بد أن يخلع الخف ويغسل رجليه ، والمهم أن نعلم أنه لا بد أن يلبس الخف على طهارة غسل فيها الرِّجل على ما علمناه من كلام أهل العلم .

                                               

س12/ رجل يمسح على كنادر في أول مرة ، ففي المرة الثاني خلع الكنادر ومسح على الشراب هل يصح مسحه ؟ أم لا بد من غسل الرجل ؟

جـ12 / هذا فيه خلاف ، فمن أهل العلم من يرى أنه إذا مسح أحد الخفين الأعلى أو الأسفل تعلق الحكم به ولا ينتقل إلى ثان. ومنهم من يرى أنه يجوز الانتقال إلى الثاني ما دامت المدة باقية ، فمثلاً إذا مسح على الكنادر ثم خلعها وأراد أن يتوضأ فله أن يمسح على الجوارب التي هي الشراب على القول الراجح ، كما أنه إذا مسح على الجوارب ثم لبس عليها جوارب أخرى أو كنادر ومسح على العليا فلا بأس به على القول الراجح ما دامت المدة باقية لكن تحسب المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني .

                                           

س13/ كثيراً ما يسأل الناس عن كيفية المسح الصحيحة ومحل المسح ؟

جـ13/ كيفية المسح أن يمرَّ يده من أطراف أصابع الرجل إلى ساقه فقط ، يعني أن الذي يمسح هو أعلى الخف ، فيمر يده من عند أصابع الرجل إلى الساق فقط ، ويكون المسح باليدين جميعاً على الرجلين جميعاً ، يعني اليد اليمنى تمسح الرجل اليمنى ، واليد اليسرى تمسح الرجل اليسرى في نفس اللحظة كما تمسح الأذنان ، لأن هذا هو ظاهر السنة لقول المغيرة ابن شعبة : فمسح عليهما ، ولم يقل : بدأ باليمنى ، بل قال مسح عليهما .

فظاهر السنة هو هذا ، نعم لو فرض أن إحدى يديه لا يعمل بها فيبدأ باليمنى قبل اليسرى .

وكثير من الناس يمسح بكلا يديه على اليمنى وكلا يديه على اليسرى .

هذا لا أصل له فيما أعلم ، إنما العلماء يقولون : يمسح باليد اليمنى على اليمنى واليد اليسرى على اليسرى .

                                               

س14/ رأينا أشخاصاً يمسحون من أسفل وأعلى فما حكم مسح هؤلاء ؟  ما حكم صلاتهم ؟



جـ14/ صلاتهم صحيحة ، ووضوئهم صحيح ، لكن ينبهون على أن المسح من الأسفل ليس من السنة ، ففي السنن من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه ، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه، وهذا يدل على أن المشروع مسح الأعلى فقط .

                                              

س15/ ما هو توجيه قول ابن عباس : ما مسح الرسول بعد المائدة ، وما روي عن علي سبق الكتاب الخفين؟

جـ15/ لا أدري هل يصح عنهما أولا . وقد ذكرت قبل هذا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ممن روى أحاديث المسح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدَّث بها بعد موته ، وبين أن الرسول وقتها ، وهذا يدل على أن الحكم ثابت عنده إلى ما بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن النسخ .

                                              

س16/ هل أحكام المسح على الخفين جارية على المرأة كما هي بالنسبة للرجل ؟ وهل هناك فرق في هذا ؟

جـ16/ ليس هناك فرق بين الرجال والنساء في هذا ، وينبغي أن تعلم قاعدة وهي أن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء ، وأن ما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلا بدليل يدل على افتراقهما .

                                              

س17/ ما حكم خلع الشراب أو بعض منها ليحك بعض قدمه أو يزيل شيئاً في رجله كحجر صغير ونحوه؟

جـ17/ إذا أدخل يديه من تحت الشراب (الجوارب) فلا بأس في ذلك ولا حرج ، أما إن خلعها فينظر إن خلع جزءاً يسيراً فلا يضر ، وإن خلع شيئاً كثيراً بحيث يظهر أكثر القدم فإنه يبطل المسح عليهما في المستقبل. 

                                              

س18/ يشتهر عند عامة الناس أنهم يمسحون على الخفين خمس صلوات فقط ، ثم بعد ذلك يعيدون مرة أخرى.

جـ18/ نعم هذا مشهور عند العامة يظنون أن المسح يوماً وليلة يعني أنه لا يمسح إلا خمس صلوات وهذا ليس بصحيح ، بل التوقيت بيوم وليلة يعني أن له أن يمسح يوماً وليلة سواءً صلى خمس صلوات أو أكثر ،  وابتداء المدة كما سبق من المسح فقد يصلي عشر صلوات أو أكثر ، فلو أن أحداً لبس الخف لصلاة الفجر يوم الاثنين وبقي على طهارته حتى نام ليلة الثلاثاء ثم مسح على الخف أول مرة لصلاة الفجر يوم الثلاثاء فهنا له أن يمسح إلى صلاة الفجر يوم الأربعاء ، فيكون هنا صلى بالخف يوم الاثنين الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء ، كل هذه المدة لا تحسب له لأنها قبل المسح ، وصلى يوم الثلاثاء الفجر ومسح ، والظهر مسح ، والعصر مسح ، والمغرب مسح ، والعشاء مسح ،  وكذلك يمكن أن يمسح لصلاة يوم الأربعاء إذا مسح قبل أن تنتهي المدة ، مثل أن يكون قد مسح يوم الثلاثاء لصلاة الفجر في الساعة الخامسة إلا ربعاً ، وبقي على طهارته إلى أن صلى العشاء ليلة الخميس ، فهنا يصلي بهذا الوضوء صلاة الفجر يوم الأربعاء والظهر والعصر والمغرب والعشاء ، فيكون صلى خمس عشرة صلاة من حين لبس ، لأنه لبسهما لصلاة الفجر من يوم الثلاثاء الساعة الخامسة ، ومسح لصلاة الفجر يوم الأربعاء الساعة الخامسة إلا ربعاً ، وبقي على طهارته حتى صلى العشاء فيكون صلى خمس عشرة صلاة .

                                            

هل من شرط المسح على الخفين أن يكون الخف غير مخرَّق؟


سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ:
أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ غَيْرَ مُخَرَّقٍ حَتَّى لَا يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ؟ وَهَلْ لِلتَّخْرِيقِ حَدٌّ؟ وَمَا الْقَوْلُ الرَّاجِحُ بِالدَّلِيلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} فَإِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ؟ .

فَأَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا فِيهِ خَرْقٌ يَسِيرٌ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي حَدِّ ذَلِكَ وَاخْتَارَ هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ جَمِيعَ مَحَلِّ الْغَسْلِ. قَالُوا: لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ بَعْضُ الْقَدَمِ كَانَ فَرْضُ مَا ظَهَرَ الْغَسْلَ؛ وَفَرْضُ مَا بَطَنَ الْمَسْحَ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ أَيْ: بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَغْسِلَ الْقَدَمَيْنِ وَإِمَّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهُوَ قِيَاسُ أَصْلِ أَحْمَد وَنُصُوصِهِ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الْعَوْرَةِ وَعَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا قَوْلًا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلًا كَقَوْلِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ: {أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كُنَّا سَفَرًا - أَوْ مُسَافِرِينَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ أَخِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ لَا نَنْزِعُ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ} رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ؛ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّتَهُ أَنْ لَا يَنْزِعُوا أَخِفَافَهُمْ فِي السَّفَرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ؛ وَلَكِنْ يَنْزِعُوهَا مِنْ الْجَنَابَةِ. وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى التَّسَاخِينِ وَالْعَصَائِبِ؛ وَالتَّسَاخِينُ هِيَ الْخُفَّانِ فَإِنَّهَا تُسَخِّنُ الرِّجْلَ وَقَدْ اسْتَفَاضَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ وَتَلَقَّى أَصْحَابُهُ عَنْهُ ذَلِكَ فَأَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنَقَلُوا أَيْضًا أَمْرَهُ مُطْلَقًا: كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ شريح بْنِ هَانِئٍ قَالَ: أَتَيْت عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ فَقَالَتْ عَلَيْك بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: {جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ} . أَيْ: جَعَلَ لَهُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَأَطْلَقَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخِفَافَ فِي الْعَادَةِ لَا يَخْلُو كَثِيرٌ مِنْهَا عَنْ فَتْقٍ أَوْ خَرْقٍ لَا سِيَّمَا مَعَ تَقَادُمِ عَهْدِهَا وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقُرَّاءَ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُمْ تَجْدِيدُ ذَلِكَ. {وَلَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ} وَهَذَا كَمَا أَنَّ ثِيَابَهُمْ كَانَ يَكْثُرُ فِيهَا الْفَتْقُ وَالْخَرْقُ حَتَّى يَحْتَاجَ لِتَرْقِيعِ: فَكَذَلِكَ الْخِفَافُ. وَالْعَادَةُ فِي الْفَتْقِ الْيَسِيرِ فِي الثَّوْبِ وَالْخُفِّ أَنَّهُ لَا يُرَقَّعُ وَإِنَّمَا يُرَقَّعُ الْكَثِيرُ وَكَانَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الضَّيِّقِ حَتَّى إنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَجَدُوا تَقَلَّصَ الثَّوْبُ فَظَهَرَ بَعْضُ الْعَوْرَةِ وَكَانَ النِّسَاءُ نُهِينَ عَنْ أَنْ يَرْفَعْنَ رُءُوسَهُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُءُوسَهُمْ لِئَلَّا يَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مَنْ ضِيقِ الْأُزُرِ مَعَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ؛ بِخِلَافِ سَتْرِ الرِّجْلَيْنِ بِالْخُفِّ فَلَمَّا أَطْلَقَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ؛ وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ: وَجَبَ حَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُهُ إلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ. وَكَانَ مُقْتَضَى لَفْظِهِ أَنَّ كُلَّ خُفٍّ يَلْبَسُهُ النَّاسُ وَيَمْشُونَ فِيهِ: فَلَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَفْتُوقًا أَوْ مَخْرُوقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ لِمِقْدَارِ ذَلِكَ فَإِنَّ التَّحْدِيدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَحُدُّهُ بِالرُّبُعِ كَمَا يُحَدُّ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ قَالُوا: لِأَنَّهُ يُقَالُ رَأَيْت الْإِنْسَانَ إذَا رَأَيْت أَحَدَ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعِ فَالرُّبُعُ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمِيعِ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يُنَازِعُونَ فِي هَذَا وَيَقُولُونَ: التَّحْدِيدُ بِالرُّبُعِ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَأَيْضًا فَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ بَلَّغُوا سُنَّتَهُ وَعَمِلُوا بِهَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَقْيِيدُ الْخُفِّ بِشَيْءِ مِنْ الْقُيُودِ بَلْ أَطْلَقُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْخِفَافِ وَأَحْوَالِهَا فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ فَهِمُوا عَنْ نَبِيِّهِمْ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا. وَأَيْضًا فَكَثِيرٌ مِنْ خِفَافِ النَّاسِ لَا يَخْلُو مِنْ فَتْقٍ أَوْ خَرْقٍ يَظْهَرُ مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ؛ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بَطَلَ مَقْصُودُ الرُّخْصَةِ لَا سِيَّمَا وَاَلَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى لُبْسِ ذَلِكَ هُمْ الْمُحْتَاجُونَ؛ وَهُمْ أَحَقُّ بِالرُّخْصَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُحْتَاجِينَ؛ فَإِنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ هُوَ الْحَاجَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ: {أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ} بَيَّنَ أَنَّ فِيكُمْ مَنْ لَا يَجِدُ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا فَلَوْ أَوْجَبَ الثَّوْبَيْنِ لَمَا أَمْكَنَ هَؤُلَاءِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ. ثُمَّ إنَّهُ أَطْلَقَ الرُّخْصَةَ فَكَذَلِكَ هُنَا لَيْسَ كُلُّ إنْسَانٍ يَجِدُ خُفًّا سَلِيمًا فَلَوْ لَمْ يُرَخِّصْ إلَّا لِهَذَا لَزِمَ الْمَحَاوِيجَ خَلْعُ خِفَافِهِمْ وَكَانَ إلْزَامُ غَيْرِهِمْ بِالْخَلْعِ أَوْلَى. ثُمَّ إذَا كَانَ إلَى الْحَاجَةِ فَالرُّخْصَةُ عَامَّةٌ.وَكُلُّ مَنْ
لَبِسَ خُفًّا وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا وَسَوَاءٌ كَانَ الْخُفُّ سَلِيمًا أَوْ مَقْطُوعًا؛ فَإِنَّهُ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَجِبُ فِعْلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى - كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ - حَتَّى تُشْتَرَطُ فِيهِ السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمُنَازِعِ: إنَّ فَرْضَ مَا ظَهَرَ الْغَسْلُ وَمَا بَطَنَ الْمَسْحُ. فَهَذَا خَطَأٌ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا بَطَنَ مِنْ الْقَدَمِ يُمْسَحُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يُلَاقِيهِ مِنْ الْخُفِّ بَلْ إذَا مَسَحَ ظَهْرَ الْقَدَمِ أَجْزَأَهُ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يَسْتَحِبُّ مَسْحَ أَسْفَلِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَمْسَحُ خُطَطًا بِالْأَصَابِعِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ جَمِيعَ الْخُفِّ كَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ الْجَبِيرَةَ فَإِنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ يَقُومُ مَقَامَ غَسْلِ نَفْسِ الْعُضْوِ فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ نَزْعُهَا إلَّا بِضَرَرِ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ وَشَعْرِ الرَّأْسِ وَظُفْرِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ نَزْعُهُ وَغَسْلُ الْقَدَمِ وَلِهَذَا كَانَ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ وَاجِبًا وَمَسْحُ الْخُفَّيْنِ جَائِزًا إنْ شَاءَ مَسَحَ وَإِنْ شَاءَ خَلَعَ.
مجموع الفتاوى(21/176)
ثم قال: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبِلَادَ الْبَارِدَةَ يَحْتَاجُ فِيهَا مَنْ يَمْسَحُ التَّسَاخِينَ وَالْعَصَائِبَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ فَأَهْلُ الشَّامِ وَالرُّومِ وَنَحْوِ هَذِهِ الْبِلَادِ أَحَقُّ بِالرُّخْصَةِ فِي هَذَا وَهَذَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَاشُونَ فِي الْأَرْضِ الْحَزِنَةِ وَالْوَعِرَةِ أَحَقُّ بِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ مِنْ الْمَاشِينَ فِي الْأَرْضِ السَّهْلَةِ وَخِفَافُ هَؤُلَاءِ فِي الْعَادَةِ لَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا الْحَجَرُ؛ فَهُمْ بِرُخْصَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ الْمُخَرَّقَةِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ(21/188)

الاثنين، 23 سبتمبر 2013

لا بد في العبادة من أصلين


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

لَا بُدَّ فِي العِبَادَةِ مِنْ أَصْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا إخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّه وَالثَّانِي مُوَافَقَةُ أَمْرِهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِك خَالِصًا وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدِ فِيهِ شَيْئًا؛ وَقَالَ الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ فِي قَوْله تَعَالَى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} قَالَ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ قَالُوا يَا أَبَا عَلِيٍّ: مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الْعَمَلُ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا؛ وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ وَلِهَذَا ذَمَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى اتِّبَاعِ مَا شَرَعَ لَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ وَفِعْلِ مَا لَمْ يَشْرَعْهُ مِنْ الدِّينِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} كَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ حَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ. وَالدِّينُ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ. مجموع الفتاوى(3/124)

الإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الْإِسْلَامُ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِسْلَامَ لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ فَمَنْ اسْتَسْلَمَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ كَانَ مُشْرِكًا وَمَنْ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لَهُ كَانَ مُسْتَكْبِرًا عَنْ عِبَادَتِهِ وَالْمُشْرِكُ بِهِ وَالْمُسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ كَافِرٌ وَالِاسْتِسْلَامُ لَهُ وَحْدَهُ يَتَضَمَّنُ عِبَادَتَهُ وَحْدَهُ وَطَاعَتَهُ وَحْدَهُ. فَهَذَا دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ غَيْرَهُ؛ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ يُطَاعَ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ فَإِذَا أَمَرَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الصَّخْرَةِ ثُمَّ أَمَرَنَا ثَانِيًا بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ: كَانَ كُلٌّ مِنْ الْفِعْلَيْنِ حِينَ أَمَرَ بِهِ دَاخِلًا فِي الْإِسْلَامِ فَالدِّينُ هُوَ الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ لَهُ فِي الْفِعْلَيْنِ. مجموع الفتاوى(3/92)

الأحد، 22 سبتمبر 2013

القيام للقادم

القيام للقادم

 سُئِلَ شيخ الإسلام ابْنُ تَيْمِيَّة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ " النُّهُوضِ وَالْقِيَامِ الَّذِي يَعْتَادُهُ النَّاسُ مِنْ الْإِكْرَامِ عِنْدَ قُدُومِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مُعْتَبَرٍ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟

فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَمْ تَكُنْ عَادَةُ السَّلَفِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: أَنْ يَعْتَادُوا الْقِيَامَ كُلَّمَا يَرَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ بَلْ قَدْ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ؛ وَلَكِنْ رُبَّمَا قَامُوا لِلْقَادِمِ مِنْ مَغِيبِهِ تَلَقِّيًا لَهُ كَمَا {رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ لِعِكْرِمَةَ} {وَقَالَ لِلْأَنْصَارِ لَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ} وَكَانَ قَدْ قَدِمَ لِيَحْكُمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ. وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلنَّاسِ: أَنْ يَعْتَادُوا اتِّبَاعَ السَّلَفِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ وَخَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَعْدِلُ أَحَدٌ عَنْ هَدْيِ خَيْرِ الْوَرَى وَهَدْيِ خَيْرِ الْقُرُونِ إلَى مَا هُوَ دُونَهُ. وَيَنْبَغِي لِلْمُطَاعِ أَنْ لَا يُقِرُّ ذَلِكَ مَعَ أَصْحَابِهِ بِحَيْثُ إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ إلَّا فِي اللِّقَاءِ الْمُعْتَادِ.وَأَمَّا الْقِيَامُ لِمَنْ يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَلَقِّيًا لَهُ فَحَسَنٌ. وَإِذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ إكْرَامُ الْجَائِي بِالْقِيَامِ وَلَوْ تُرِكَ لَاعْتقد أَنَّ ذَلِكَ لِتَرْكِ حَقِّهِ أَوْ قَصْدِ خَفْضِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَادَةَ الْمُوَافِقَةَ لِلسُّنَّةِ فَالْأَصْلَحُ أَنْ يُقَامَ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِذَاتِ الْبَيْنِ وَإِزَالَةِ التَّبَاغُضِ وَالشَّحْنَاءِ؛ وَأَمَّا مَنْ عَرَفَ عَادَةَ الْقَوْمِ الْمُوَافَقَةَ لِلسُّنَّةِ: فَلَيْسَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ إيذَاءٌ لَهُ وَلَيْسَ هَذَا الْقِيَامُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ} فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْ يَقُومُوا لَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ لَيْسَ هُوَ أَنْ يَقُومُوا لِمَجِيئِهِ إذَا جَاءَ؛ وَلِهَذَا فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يُقَالَ قُمْت إلَيْهِ وَقُمْت لَهُ وَالْقَائِمُ لِلْقَادِمِ سَاوَاهُ فِي الْقِيَامِ بِخِلَافِ الْقَائِمِ لِلْقَاعِدِ. [وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا صَلَّوْا قِيَامًا أَمَرَهُمْ بِالْقُعُودِ. وَقَالَ: لَا تُعَظِّمُونِي كَمَا يُعَظِّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا} ] وَقَدْ نَهَاهُمْ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ قَاعِدٌ لِئَلَّا يَتَشَبَّهَ بِالْأَعَاجِمِ الَّذِينَ يَقُومُونَ لِعُظَمَائِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ. وَجِمَاعُ ذَلِكَ كُلِّهِ الَّذِي يُصْلِحُ اتِّبَاعَ عَادَاتِ السَّلَفِ وَأَخْلَاقِهِمْ وَالِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. فَمَنْ لَمْ يَعْقِدْ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ الْعَادَةُ وَكَانَ فِي تَرْكِ مُعَامَلَتِهِ بِمَا اعْتَادَ مِنْ النَّاسِ مِنْ الِاحْتِرَامِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ: فَإِنَّهُ يَدْفَعُ أَعْظَمَ الفسادين بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا كَمَا يَجِبُ فِعْلُ أَعْظَمِ الصلاحين بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا. مجموع الفتاوى(1/376)

مناظرة بين شيخ الإسلام ابن تيمية وثلاثة من الرهبان

مناظرة بين شيخ الإسلام ابن تيمية وثلاثة من الرهبان

لَمَّا كَانَ الشَّيْخُ فِي قَاعَةِ التَّرْسِيمِ دَخَلَ إلَى عِنْدِهِ ثَلَاثَةُ رُهْبَانٍ مِنْ الصَّعِيدِ فَنَاظَرَهُمْ وَأَقَامَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةَ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ وَمَا هُمْ عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ وَالْمَسِيحُفَقَالُوا لَهُنَحْنُ نَعْمَلُ مِثْلَ مَا تَعْمَلُونَأَنْتُمْ تَقُولُونَ بِالسَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِالسَّيِّدَةِ مَرْيَمَ وَقَدْ أَجْمَعْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ وَمَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ الْحُسَيْنِ وَمِنْ نَفِيسَةَ وَأَنْتُمْ تَسْتَغِيثُونَ بِالصَّالِحِينَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ وَنَحْنُ كَذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ وَأَيُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْكُمْ وَهَذَا مَا هُوَ دِينُ إبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الدِّينَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ لَهُ وَلَا نُشْرِكَ مَعَهُ مَلَكًا وَلَا شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا كَوْكَبًا وَلَا نُشْرِكَ مَعَهُ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا صَالِحًا {إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} . وَأَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ لَا تُطْلَبُ مِنْ غَيْرِهِ مِثْلُ إنْزَالِ الْمَطَرِ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ وَالْهُدَى مِنْ الضَّلَالَاتِ وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُوَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نُؤْمِنُ بِهِمْ وَنُعَظِّمُهُمْ وَنُوَقِّرُهُمْ وَنَتَّبِعُهُمْ وَنُصَدِّقُهُمْ فِي جَمِيعِ مَا جَاءُوا بِهِ وَنُطِيعُهُمْكَمَا قَالَ نُوحٌ؛ وَصَالِحٌ وَهُودٌ وَشُعَيْبٌ: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِفَجَعَلُوا الْعِبَادَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ وَالطَّاعَةَ لَهُمْ؛ فَإِنَّ طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِفَلَوْ كَفَرَ أَحَدٌ بِنَبِيِّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَآمَنَ بِالْجَمِيعِ مَا يَنْفَعُهُ إيمَانُهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِذَلِكَ النَّبِيِّ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ آمَنَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَكَفَرَ بِكِتَابِ كَانَ كَافِرًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِذَلِكَ الْكِتَابِ وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَالْيَوْمُ الْآخِرُفَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ قَالُواالدِّينُ الَّذِي ذَكَرْته خَيْرٌ مِنْ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ عَلَيْهِثُمَّ انْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِهِ. مجموع الفتاوى(1/370)