الثلاثاء، 31 يناير 2017

من نصائح ابن الجوزي لولده

إن العلم أفضل من كل نافلة.
(لفتة الكبد لابن الجوزي)









فبماذا تشتري الحياة الأبدية، وإنما الثمن هذه الساعات؟

من تفكر في الدنيا قبل أن يوجَد، رأى مدة طويلة، فإذا تفكر فيها بعد أن يخرج رأى مدة قصيرة، وعلِم أن اللُّبْثَ في القبور طويل، فإذا تفكر في يوم القيامة، علم أنه خمسون ألف سنة، فإذا تفكر في اللُّبث في الجنة أو النار علم أنه لا نهاية له، فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا ـ فرضنا ستين سنة مثلاً ـ فإنه يَمضي منها ثلاثون في النوم، ونحوٌ من خمس عشر في الصِبا، فإذا حسبتَ الباقي، كان أكثرُه في الشهوات والمطاعم والمكاسب، فإذا خلص ما للآخرة وجد فيه من الرياء والغفلة كثيرًا، فبماذا تشتري الحياة الأبدية، وإنما الثمن هذه الساعات؟
.
 (لفتة الكبد لابن الجوزي)

مما نصح ابن الجوزي به ولده


 انتبه يا بني لنفسك واندم على ما مضى من تفريطك، واجتهد في لحاق الكاملين، ما دام في الوقت سَعةٌ، واسقِ غصنك ما دامت فيه رطوبة، واذكر ساعاتك التي ضاعت، فكفى بها عظة، ذهبَتْ لذةُ الكسل فيها، وفاتت مراتبُ الفضائل، وقد كان السلف رحمهم الله يحبون جمعَ كل فضيلة، ويبكون على فوات واحدة منها.
 قَالَ إبراهيم بن أدهم رحمه الله: دخلنا على عابدٍ مريض، وهو ينظر إلى رجليه ويبكي، فقلنا: ما لك تبكي ؟ فقال: ما اغبرّتا في سبيل الله تعالى ؛ وبكى آخر فقيل له: ما يبكيك ؟ قَالَ: على يومٍ مضى ما صمته، وعلى ليلة ذهبَت ما قمتها.
 واعلم يا بني أن الأيام تبسُطُ ساعاتٍ، والساعاتُ تبسُط أنفاسًا، وكلُ نفَسٍ خزانة، فاحذر أن تُذهِبَ نفسًا في غير شيء، فترى يوم القيامة خزانةً فارغة فتندم.
وقد قَالَ رجل لعامر بن عبد قيس: قف أكلمُك ! فقال: أمسِكِ الشمسَ.
 وقعد قومٌ عند معروف [الكرخي] رحمه الله، فقال: أما تريدون أن تقوموا، فإن ملَكَ الشمس يجرُّها لا يفتُر.
 وفي الحديث: "من قَالَ سبحان الله وبحمده غُرسَت له نخلةٌ في الجنة"، فانظر إلى مضيِّعِ الساعات كم يفوته من النخل.
 (لفتة الكبد)

مما كتبه ابن الجوزي رحمه الله لولده في رسالة "لفتة الكبد"

إن طلبَ الفضائل نهايةُ مرادِ المجتهدين، 
ثم الفضائلُ تتفاوت، 
فمن الناس مَن يرى الفضائلَ الزهدَ في الدنيا، 
ومنهم مَن يراها التشاغلَ بالتعبد، 
وعلى الحقيقة فليست الفضائلُ الكاملةُ إلا الجمعُ بين العلم والعمل، 
 فإذا حُصِّلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق سبحانه وتعالى، وحرّكاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه، فتلك الغاية القصوى، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم،
وليس كلُ مريدٍ مرادًا، ولا كلُ طالبٍ واجدًا، ولكن على العبد الاجتهاد، وكلٌ ميسَّرٌ لما خُلق له.

مما كتبه ابن الجوزي رحمه الله لولده في رسالة "لفتة الكبد"


اعلم يا بني وفَّقك الله أنه لم يميَّزِ الآدميُ بالعقلِ إلا ليعمل بمقتضاه،
فاستحضر عقلك وأعمِلْ فِكرَك، واخلُ بنفسك، 
تعلمْ بالدليل أنك مخلوق مكلف وأن عليك فرائض أنت مطالب بها،
وأن الملكين عليهما السلام يحصيان ألفاظك ونظراتك،
وأن أنفاسَ الحي خطوات إلى أجله،
ومقدارَ اللُّبث في الدنيا قليل،
والحبسَ في القبور طويل،
والعذابَ على موافقة الهوى وبيل، فأين لذة أمس؟
قد رحلَتْ وأبقَت ندمًا،
وأين شهوة النفس؟ نكّسَت رأسًا وأزلّت قدمًا.
وما سعِد مَن سعِد إلا بمخالفة هواه، ولا شقِي مَن شقي إلا بإيثار دنياه،
فاعتبر بمن مضى من الملوك والزهاد،
أين لذةُ هؤلاء وأين تعبُ أولئك ؟
بقي الثواب الجزيل والذكرُ الجميلُ للصالحين،
 والمقالةُ القبيحة والعقاب الوبيل للعاصين، وكأنه ما شبع مَن شبِع، ولا جاع مَن جاع.
والكسلُ عن الفضائل بئس الرفيق، وحبُ الراحة يورث مِن الندم ما يربو على كل لذة،
 فانتبه وأتعِبْ نفسَك، واعلم أن أداء الفرائض واجتنابَ المحارم لازم، فمتى تعدّى الإنسانُ فالنار النار